المسعودي

97

مروج الذهب ومعادن الجوهر

الأجسام ( 1 ) ، فان العقول والآراء تتولد من حيث تولد الهواء ، وطبع الهواء الفضاء ، وفي هذا الأمن من العاهات والاسقام والعلل والآلام ، فآثرت العرب سكنى البوادي والحلولَ في البيداء ، فهم أقوى الناس همما ، وأشدهم أحلاما ، وأصحهم اجساماً ، وأعزهم جاراً ، وأحماهم ذماراً وأفضلهم جواراً ( 2 ) ، وأجودهم فطنا ، لما أكسبهم إياه صفاء الجو ونقاء الفضاء ، لأن الأبدان تحتوي اجزاؤها على متكاثف الأكدار وعناء الأقذار مما يرتفع اليه ، ويتلاطم في عرصاته وأفقه من جميع المستحيلات والمستنقعات من المياه ، ففي أكنافه جميع ما يتصعد اليه ، ولذلك تراكبت الأقذاء والأدواء والعاهات في أهل المدن ، وتركبت في أجسامهم ، وتضاعفت في اشعارهم وأبصارهم ، ففضلت العرب على سائر من عداها من بوادي الأمم المتفرقة لما ذكرنا من تخيرها الأماكن وارتيادها المواطن . قال المسعودي : ولذلك جانبوا فظاظة الأكراد وسكان الجبال من الأجيال الجافية وغيرهم الذين مساكنهم حُزونُ الأرض ودهاسُها ، وذلك أن هذه الأمم الساكنة هذه الجبال والأودية تناسب اخلاقها مساكنها في انخفاضها وارتفاعها ، لعدم استقامة الاعتدال في أرضها ، فلذلك اخلاق قُطَّانها على ما هي عليه من الجفاء والغلظ . خطيب العرب عند كسرى يعلل اختيار قومه البداوة : وذكر الهيثم بن عدي والشرقي بن القطامي وغيرهما من الأخباريين انه وفد على كسرى انو شروان بعض خطباء العرب ، فسأله كسرى عن شأن العرب وسكناها البر واختيارها البدو ، فقال : أيها الملك ، ملكوا الأرض ولم تملكهم ، وأمنوا عن التحصن بالأسوار ، واعتمدوا على المرهفات الباترة ، والرماح الشارعة

--> ( 1 ) وفي نسخة : وصفاء الهواء ومتانة الأجسام . ( 2 ) وفي نسخة : وأفضلهم جوداً .